مجمع البحوث الاسلامية
215
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الحقيقيّ في اعتقاداتهم ، بدليل الموعظة الحسنة ، وهي الدّليل العقليّ اليقينيّ الّذي يلزم منه اليقين في الإيمان به سبحانه وبغيره ممّا أمرهم بالإيمان به ، وهو آلة لعلم الطّريقة وتهذيب الأخلاق وعلم اليقين والتّقوى - وهذه العلوم وإن كانت قد تستفاد من غيره ، ولكن بدون ملاحظته لا يوقف على اليقين والاطمئنان الّذي هو أصل علم الأخلاق ، ومستنده القلب والنّقل ، وشرط صحّته والانتفاع به اتّصاف عقلك به بأن تلزم ما ألزمك به ولا تظلمه ، وهو كقوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ فصّلت : 52 ، وقوله تعالى : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ الأحقاف : 10 ، إلى غير ذلك ممّا لا يحصى كثرة . وإن كانوا من العلماء أصحاب الرّسوم كالمتكلّمين ونظائرهم ، فدعوتهم إلى الحقّ الّذي يريده سبحانه من اليقين الرّسميّ ، بمقتضى طبيعتهم القاصرة ، بدليل المجادلة بالّتي هي أحسن وهي الدّليل العلميّ القطعيّ الّذي يلزم منه العلم فيما ذكر ، وهو آلة لعلم الشّريعة ، ومستنده العلم والنّقل ، وشرطه إنصاف الخصم بأن يقيمه على النّحو المقرّر في علم الميزان ، وقد ذكره العلماء في كتبهم الأصوليّة والفروعيّة بل لا يكاد يسمع منهم غير هذا الدّليل ، وهو محلّ المناقشات والمعارضات . وأمّا الدّليلان الأوّلان فليس فيهما مناقشة ولا معارضة ، فإذا اعترض عليهما معترض فقد اعترض فيهما بغيرهما اه المراد منه وهو كما ترى ، وإنّما ذكرته لتعلم حال المرؤوس من حال الرّئيس ، ولقد رأيت مشايخ هذه الطّائفة يتكلّمون بما هو كشوك القنافذ ويحسبونه كريش الطّواويس . وجوّز أن يراد بالحكمة والموعظة الحسنة : القرآن المجيد فإنّه جامع لكلا الأمرين ، فكأنّه قيل : ادع بالقرآن الّذي هو حكمة وموعظة حسنة ، وقيل غير ذلك ، ومنه أنّ الحكمة : النّبوّة وليس من الحكمة ، وفسّر بعضهم المجادلة الحسنة : بالإعراض عن أذاهم وادّعى أنّ الآية منسوخة بآية السّيف ، والجمهور على أنّها محكمة وأنّ معنى الآية ما تقدّم ، ولكون الحكمة أعلى الدّلائل وأشرفها والمدعوّون به الكاملون الطّالبون للمعارف الإلهيّة والعلوم الحقيقيّة ، وقليل ما هم جيء بها أوّلا ، ولكون الجدل أدنى الدّلائل إذ ليس المقصود منه سوى إلزام الخصم وإفحامه ، ولا يستعمل إلّا مع النّاقصين الّذين تغلب عليهم المشاغبة والمخاصمة ، وليسوا بصدد تحصيل هاتيك العلوم ذكر أخيرا ، ولكون الموعظة الحسنة دون الحجّة وفوق الجدل ، والمدعوّون بها المتوسّطون الّذين لم يبلغوا في الكمال حدّ الحكماء المحقّقين ، ولم يكونوا في النّقصان بمرتبة أولئك المشاغبين ، وسطت بين الأمرين ، وكأنّه إنّما لم يقل : ادع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة والجدال الأحسن . لما أنّ الجدال ليس من باب الدّعوة بل المقصود منه غرض آخر مغاير لها ، وهو الإلزام والإفحام ، كما قاله الإمام ، فليفهم . ( 14 : 254 ) الطّباطبائيّ : والجدال هو الحجّة الّتي تستعمل لفتل الخصم عمّا يصرّ عليه وينازع فيه ، من غير أن